عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
70
اللباب في علوم الكتاب
قال الزمخشريّ : فإن قلت : كيف صح مجيء البدل ، ولم يذكر إلا أحد المفعولين ، ولا يجوز الاقتصار بفعل الحسبان على مفعول واحد ؟ قلت : صحّ ذلك من حيث إنّ التعويل على البدل والمبدل منه في حكم المنحّى ، ألا تراك تقول : جعلت متاعك بعضه فوق بعض ، مع امتناع سكوتك على : متاعك . وهذا البدل بدل اشتمال - وهو الظاهر - أو يدل كلّ من كلّ ، ويكون على حذف مضاف ، تقديره : ولا تحسبن إملاء الذين ، فحذف « إملاء » وأبدل منه : « أَنَّما نُمْلِي » قولان مشهوران . الثالث - وهو أغربها - : أن يكون « الَّذِينَ كَفَرُوا » فاعلا ب « تحسبن » على تأويل أن تكون التاء في الفعل للتأنيث ، كقوله : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [ الشعراء : 105 ] أي : ولا تحسبن القوم الذين كفروا ، و « الذين » وصف للقوم ، كقوله تعالى : وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا [ الأعراف : 137 ] . فعلى هذا تتحد هذه القراءة مع قراءة الغيبة ، وتخريجها كتخريجها ، ذكر ذلك أبو القاسم الكرماني في تفسيره المسمّى ب « اللّباب » . وفيه نظر ؛ من حيث إن « الذين » جار مجرى جمع المذكر السالم ، والجمع المذكر السالم لا يجوز تأنيث فعله - عند البصريين - لا يجوز : قامت الزيدون ، ولا : تقوم الزيدون . وأما اعتذاره عن ذلك بأن « الذين » صفة للقوم - الجائز تأنيث فعلهم - وإنما حذف ، فلا ينفعه ؛ لأن الاعتبار إنما هو بالملفوظ به لا بالمقدّر ، لا يجيز أحد من البصريين : قامت المسلمون - على إرادة : القوم المسلمون - البتة . وقال أبو الحسن الحوفيّ : « أن » وما عملت فيه في موضع نصب على البدل ، و « الذين » المفعول الأول ، والثاني محذوف . وهو معنى قول الزمخشريّ المتقدم . الرابع : أن يكون : « أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ » بدلا من : « الَّذِينَ كَفَرُوا » بدل اشتمال - أي : إملاءنا - و « خير » بالرفع - خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو خير لأنفسهم ، والجملة هي المفعول الثاني ، نقل ذلك أبو شامة عن بعضهم ، ثم قال : قلت : ومثل هذه القراءة بيت الحماسة : 1696 - فينا الأناة ، وبعض القوم يحسبنا * أنّا بطاء ، وفي إبطائنا سرع « 1 » كذا جاءت الرواية بفتح « أنا » بعد ذكر المفعول الأول ، فعلى هذا يجوز أن تقول : حسبت زيدا أنه قائم ، أي : حسبته ذا قيام .
--> ( 1 ) البيت لوضاح بن إسماعيل ينظر تخليص الشواهد ص 344 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 647 ، والمقاصد النحوية 2 / 216 ، والجنى الداني ص 407 ، وشرح عمدة الحافظ ص 226 . والدر المصون 2 / 216 .